السيد كمال الحيدري
448
أصول التفسير والتأويل
يحفل به من علوم وأدوات سواءً على مستوى التفسير أو الشريعة ، لكنّها تذهب إلى أنّ هذه المنطقة لا تستنفذ جميع معاني القرآن ولا تستهلك كلّ حقائقه ، بل وراءها شوطٌ آخر يفضى إلى فتح منطقة جديدة في التعامل مع القرآن ، تخضع هي الأُخرى إلى ضوابط محدّدة وتنتظمها مبادئ وأُصول خاصّة ؟ ثمّ إنّها والأهمّ من ذلك لا تصير إلى تعميم رؤاها إلى الآخرين إلّا بلغة البرهان والاستدلال المنطقي ، تماماً كما يحصل لأىّ معرفة أُخرى ، إذ لا يملك أىّ رأى حقّ التعميم مهما كانت الدعوى التي تسنده إلّا إذا قامت عليه الحجّة ؟ » « 1 » . اتّفقت كلمة أهل التحقيق على أنّ ظاهر الشريعة ليس هو منتهى الإدراك في ذلك ، بل « الحقّ الذي كلّف الخلق اعتقاده له مراتب ودرجات ، وله مبدأ ظاهر وغور باطن ، وجمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن » « 2 » . من هنا جاء التأكيد في كلماتهم أنّ الطريق إلى الباطن إنّما يمرّ من خلال إتقان الظاهر وضبطه كوسيلة لبلوغ الباطن ، قال الغزالي : « لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر أوّلًا ، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر ، ومن ادّعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر ، فهو كمن يدّعى البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب ، أو يدّعى فهم مقاصد الأتراك من كلامهم وهو لا يفهم لغة الترك ، فإنّ ظاهر التفسير يجرى مجرى تعليم اللغة التي لابدّ منها للفهم » « 3 » .
--> ( 1 ) فهم القرآن ، دراسة على ضوء المدرسة السلوكية ، مصدر سابق : ص 424 . ( 2 ) إحياء علوم الدِّين ، الغزالي ، مصدر سابق : ج 1 ص 284 . ( 3 ) إحياء علوم الدِّين : ج 1 ص 291 .